الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

569

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

فإن قوله لا يَمَسُّهُ « 1 » بالرفع ، فهذا خبر لفظا ومعنى ، ولو كان نهيا لكان مفتوحا . ومن حمل الآية على النهى احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهى ، والأصل في الخبر والنهى حمل كل منهما على حقيقته ، وليس هاهنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهى ، انتهى ملخصا . وهذا الذي قاله ابن القيم قد تمسك به جماعة منهم داود ، بأنه يجوز مس المصحف للمحدث . وقد أجاب ابن الرفعة في « الكفاية » عن أدلتهم المزخرفة فقال ما نصه : القرآن لا يصح مسه ، فعلم أن المراد به الكتاب الذي هو أقرب المذكورين ، ولا يتوجه النهى إلى اللوح المحفوظ لأنه غير منزل ، ومسه غير ممكن ، ولا يمكن أن يكون المراد بالمطهرين الملائكة ، . لأنه قد نفى وأثبت فكأنه قال : يمسه المطهرون ولا يمسه غير المطهرين ، والسماء ليس فيها غير مطهر بالإجماع ، فعلم أن المراد : المطهرين من الآدميين ، ويبين ذلك ما روى أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال في كتاب عمرو بن حزم المروى في الدّارقطني وغيره : « ولا تمس القرآن إلا وأنت على طهر » « 2 » ثم قال ، فإن قيل : قد قال الواحدي أن أكثر أهل التفسير على أن المراد اللوح المحفوظ ، وأن المطهرين الملائكة ، ثم لو صح ما قلتم لم يكن فيها دليل لأن قوله لا يَمَسُّهُ « 3 » بضم السين ، ليس ينهى عن المراد ولو كان نهيا لكان بفتح السين ، فهو إذا خبر . قلنا : أما قول « أكثر المفسرين » فهو معارض بقول الباقين ، والمرجع إلى الدليل ، وأما كون المراد بالآية الخبر ، فجوابه : أنا نقول : اللفظ لفظ الخبر ومعناه النهى ، وهو كثير في القرآن ، قال اللّه تعالى : لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها « 4 » ، وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ « 5 » . انتهى .

--> ( 1 ) سورة الواقعة : 79 . ( 2 ) صحيح : أخرجه مالك في « الموطأ » ( 1 / 177 ) مرسلا : ووصله الدّارقطني في « سننه » ( 1 / 122 ) ، والحديث صححه الشيخ الألبانى ، انظر « الإرواء » ( 1 / 160 - 161 ) . ( 3 ) سورة الواقعة : 79 . ( 4 ) سورة البقرة : 233 . ( 5 ) سورة البقرة : 228 .